محمد أبو زهرة
3798
زهرة التفاسير
إِنِّي رَأَيْتُ من الرؤيا لا من الرؤية البصرية ، فهي رؤيا في المنام ، لقول أبيه له فيما قصّ القرآن الكريم : لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ، الرؤية تكون رمزا لأمور مغيبة ، فهذه الكواكب أحد عشر ، رمز لإخوته وعددهم أحد عشر ، وقد قال في ذلك ابن عباس وقتادة : الكواكب إخوته ، والشمس أمه ، والقمر أبوه ، وهذا تأويل الرؤيا كما فهم يعقوب أبوه عليه السلام ، والسجود هو الخضوع ، وقد ظهر التأويل الصادق في آخر السورة ، وقد خضع لحكمه أبواه وإخوته . وإن هؤلاء كانوا إخوته من أبيه ، كما جاء في حالهم عندما سألهم عن أخ لهم من أبيهم ، وهو شقيقه فدل هذا على أنه مع إخوته الأحد عشر من أولاد العلات الذين تختلف أمهاتهم ، ويتحد أبوهم ، ولا يكونون متحابين كتحاب أولاد الأعيان أي الأشقاء ، ويجد الشيطان فرصة لينزع بينهم . وقد ذكروا أسماء الكواكب في روايات لم تصح عندنا ، ولا نحتاج إلى معرفتها ؛ لأن المغزى متحقق ، وهو أنه رأى هذه الرؤيا الصادقة ، ورؤيا النبيين لا تكون إلا صادقة ، ويوسف عندما رآها كان غلاما ، ولا يمنع ذلك من أن تكون صادقة ، فإن صدق الرؤى ليس مقصورا على الأنبياء ، إنما رؤى الأنبياء مقصورة على الصدق ، رأى نبي اللّه تعالى يعقوب عليه السلام ، ما يحرك نفوس الإخوة ، أن تثير هذه الرؤيا حسد إخوته الذين ليسوا أشقاء فقال : لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ . هذا درس حكيم لمن يكون له أولاد علات ، يجب عليه أن يعلم أن الشيطان ينزغ بينهم بالعداوة ويزكى لهيب التحاسد بين الأولاد ، فيجب عليه أن يمنع ما يوجب التحاسد ، فوراء التحاسد التباغض ، وعداوة القرابة تكون أشد إزراء « 1 » ، كما قال الشاعر :
--> ( 1 ) جاء في القاموس المحيط ( زرى ) : زرى عليه زريا وزراية ومزرية ومزراة وزريانا ، بالضم : عابه ، وعاتبه .